الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
511
أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة (كتاب النكاح)
وأنّه لم يؤذن فيها إلّاثلاثة أيّام عام أوطاس « 1 » . هذا ، مضافاً إلى أنّ مثل هذه الإباحة والنسخ المتكرّر ، غير معهود في شيء من الأحكام ، وليست المصالح والمفاسد الموجودة في موارد أحكام الشرع ، توجد زماناً بعد زمان ، وتنعدم كذلك . إن قلت : لعلّ إباحتها كانت للاضطرار الحاصل في الغزوات والحروب الإسلامية ، ونسخها كان لرفع الضرورة . قلنا : هذا ليس من النسخ في شيء ، بل هو من قبيل وجود الموضوع وعدمه ، مثل من اضطرّ إلى أكل لحم الميتة ، ثمّ وجد اللّحم الحلال ، ثمّ اضطرّ ثانياً وثالثاً ، وأين هذا من النسخ ؟ ! ولازمه تكرار الإباحة عند وجود تلك الشروط والضرورات ، وهي في عصرنا كثيرة أيضاً . فتحصّل أوّلًا : أنّ النسخ بالسنّة مردود ؛ لتعارض روايات النسخ تعارضاً لا يوجد مثله في أبواب الفقه ، وهذا يوجب سريان احتمال الجعل فيها . وثانياً : لا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد ؛ فإنّ كلّ طائفة من روايات النسخ - مع قطع النظر عن معارضاتها - خبر واحد غير متواتر . إن قلت : هي على اختلافها متّفقة في أصل النسخ وإن اختلفت في زمانه ، وهي من هذه الجهة متواترة . قلنا : قد ثبت في باب التعادل والترجيح ، أنّ الأخبار المتعارضة لا تصلح لنفي الثالث ؛ لأنّ الدلالة المطابقية إذا سقطت عن الحجّية ، لا يمكن الاعتماد على دلالتها الالتزامية ، كما إذا ادّعى شخص أنّ المال له ، وثانٍ أنّه له ، وثالث . . . إلى عشرة ، وأقام كلّ على مدّعاه بيّنة ، فلا يقال : إنّها تنفي ملكيه شخص آخر غير هؤلاء ؛ لسقوط البيّنات عن الحجّية بالتعارض ، فلا يبقى لها دلالة التزامية بعد سقوط الدلالة المطابقية .
--> ( 1 ) . السنن الكبرى ، البيهقي 7 : 204 .